بابل والصرح
هنا يتقاطع التفصيل التقني في القرآن مع الآثار تقاطعاً حادّاً، ويولّد أطرف توتّر في المشروع كلّه: التقنية الموصوفة رافدية، والمشهد موضوع في مصر.
أوقد لي على الطين فاجعل لي صرحاً
ليست عبارة عامّة عن البناء بل وصف لعملية صناعية: إيقاد النار على الطين لإنتاج مادّة بناء، ثم رفع صرح بها. هذا هو الطوب المحروق بالضبط، لا اللَّبِن المجفّف بالشمس.
28:38فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ
40:36وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ
إيتيمينانكي: زقّورة بابل، طوب محروق وقار Etemenanki, the ziggurat of Babylon
اسمها يعني «بيت أساس السماء والأرض». قاعدتها إحدى وتسعون متراً في إحدى وتسعين، وارتفاعها يقارب ذلك، أي أربعة أضعاف الزقّورة المعتادة. والبناء نواة من اللَّبِن مكسوّة بالطوب **المحروق** مثبَّتاً بالقار، والقار الأسود ما زال ظاهراً على ظهر الطوب إلى اليوم. ومسلّة سوداء بارتفاع سبعة وأربعين سنتيمتراً تصوّر الملك وواجهة الزقّورة ومخطّط معبد قمّتها.
- George, The Tower of Babel, archaeology, history and cuneiform texts, AfO 51 (2005)
- Livius, Etemenanki
التوتّر: تقنية رافدية في مشهد مصري Mesopotamian technique in an Egyptian setting
هذا أهمّ ما خرجتُ به في هذه الجولة. مصر لم تبنِ أبراجاً بالطوب المحروق: عمارتها الضخمة حجرية، وبناؤها اليومي لَبِن مجفّف بالشمس، والوقود شحيح في وادٍ بلا غابات. أمّا الرافدان فبلا حجر، فالطوب المحروق والقار هما حلّهما المميّز، والزقّورة شكلهما المميّز. فالآية تصف تقنية وشكلاً رافديّين خالصين. إمّا أن يكون المشهد رافدياً لا مصرياً، وإمّا أن الطرح المصري يحتاج مراجعة. وأنت حين قلت إن الرافدين هما المسرح الأصلي كنت تشير إلى هذا بالضبط.
- Moorey, Ancient Mesopotamian Materials and Industries (1994), ch. on baked brick and bitumen
- Kemp, Soil and mud brick in ancient Egypt، وفيه ندرة الطوب المحروق قبل العصر الروماني
هاروت وماروت وما أُنزل ببابل
بابل تُذكر بالاسم مرّة واحدة في القرآن، وفي سياق تعليم شيء يُفرَّق به بين المرء وزوجه. أي أن الاسم يحمل شحنة محدّدة: بابل موضع علم خطر، لا مجرّد مدينة.
2:102وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ
بابل مركزاً عالمياً للتنجيم والرُّقى Babylon as the ancient world's centre of divination
متن التنجيم والفأل والرُّقى البابلي هو أضخم متن من نوعه في العالم القديم: سلسلة «إنوما آنو إنليل» في سبعين لوحاً للفأل الفلكي، ومتون الشرّ والتعاويذ، ومكتبة آشوربانيبال تجمعها. وسمعة بابل بالسحر انتقلت إلى اليونان ثم إلى العربية حتى صارت «الكلدانيّ» تعني المنجّم. فالإشارة القرآنية إلى بابل موضعاً لتعليم خطر تقع على واقع ثقافي موثّق بعشرات آلاف الألواح، لا على خيال.
- Rochberg, The Heavenly Writing (2004)
- Reiner, Astral Magic in Babylonia (1995)